[ سيدي كانون السباعي ]
من إعداد : صالح بن بكار السباعي
سيدي محمد كانو ن السباع
من إعداد صالح بن بكار السباعي
نخصص ـ هذه الوقفة للحديث بتفصيل عن سيدي كانون بن رحمون السباعي الإدريسي الحسني لأداء بعض حقوقه التاريخية علينا: فالرجل كاد يصبح نكرة من النكرات بعد أن كان علما يقتدى به ونجما يهتدى به، لدرجة الاختلاف في هويته ونسبه، والأحرى ما قدمه لأمته ووطنه من خدمات جليلة مقدرة، تتجلى في جهاده للغزاة البرتغاليين وعلمه وزهده، وتربيته للمريدين وتصوفه، وسياحته ومجاهداته، ونصائحه الصوفية الجليلة، وكراماته في حياته وبعد مماته، ويبرز ذلك بوضوح فيما كتبه هو بنفسه في هذا الإطار كما وقفنا عليه في مخطوطة له توضح بجلاء جوانب مضيئة من شخصيته الفذة، ومكانته الرفيعة المميزة بين علماء عصره وأولياء مصره.
حياته:
هو سيدي محمد بن علي السباعي الملقب بـ (كانون) من المدادحة ،سكن أولاد أمطاع وتملك فيهم أرضا فنسبه البعض إليهم.. عاش في القرن .العاشر.الهـجري ونسبه إلى أولاد أمطاع خطأ فادح وغلط قادح ، لا ينبغي الأخذ به مطلقا ،لأنه هو نفسه صرح بنسبه السباعي كما سنقف عليه في مكانه، والناس مصدقون في أنسابهم ومن طعن في نسب غيره بدون دليل وقع في محرم لقوله تعالى: (أدْعوهُم لآبائهِمْ هُو أقسَطُ عند اللهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإخْوانُكُمْ في الدِّينِ ومواليكمْ وَلَيسَ عَلَيْكمْ جُنأحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلوبُكُمْ وكَانَ اللهُ غَفوراً رَحِيماً ) ـ الأحزاب /5 ـ ولقول القائل:
والطّعْنُ في الأنساب أمرٌ مُنْكَرُ حِرْمَتُهُ صَحيحةٌ لا تُنْكَــــرُ
والناسُ في أنْسابِهِمْ مُصدَّقون إطلاقُ ذا حَقَّقَهُ المحَقِّقون
وأول متضرر من هذا الخطإ في النسب هو سيدي محمد كانون السباعي نفسه، العالم الزاهد ، والمرابط المجاهد ، الذي لا نجد له ذكرا كثيرا في كتب النسب ، ولا خبرا موثقا في كتب التاريخ والأدب ، ولا نسمع عنه شيئا في الأنشطة الثقافية، واللقاءات المناسباتية التي تعقد بين أفراد القبيلة السباعية،وتغييبه في الكتابات السباعية.. وهو من هو شجاعة وعبادة، وعلما وصلاحا وزهادة، كما سنكتشف ذلك من وقوفنا على مضمون إحدى الوثائق التي أنجزها هو بنفسه، لتكون شاهدة على علمه ووجاهته وتقواه، وسندرجها بنصها لاحقا كما عثرنا عليها..لأنها لحد الساعة هي الوثيقة الوحيدة الموثوقة التي يمكن اعتمادها في كشف جوانب من أنسيته
كان الولي الصالح محمد كانون السباعي كبير الشأن ، من أهل الولاية والعرفان، ومن تلامذة الشيخ عبد العزيز التباع (ت.914هـ) وهوالذي لقبه بـ (كانون) حين أخبره يوما بأن تنور الخبز ساخن فقال له حينها:(أدخل إليه) ففعل تنفيذا لآمر شيخه ـ وخرج منه معافى ،فلقبه شيخه يومئذ بسيدي كانون . . وشيخه سيدي عبد العزيز هو الذي اعترف بولايته وأذن له بالخروج لينتفع به الناس، فقطن أولاد أمطاع بأمزميز مدة (فنسبه البعض إليهم ) حيث لقيه هناك الحسن الوزان(1483 ـ 1552م) أثناء رحلته في المنطقة ..كما كان يتحلى بشجاعة نادرة في مواجهة الغزاة البرتغاليين إلى جانب ثلة من الأولياء المجاهدين السباعيين من أمثال عبد الله بن ساسي العزوزي السباعي وسيدي أعمارة مول الحيمر وسيدي محمد السباعي دفين الغيات وسيدي دنون الحضري الخنبوبي وقائدهم سيدي عبد الرحمان مول البركي وغيرهم..
ولما أنهزم البرتغاليون في فونتي وأخلوا أزمور خوفا ورعبا ،سارع إليها جماعة من المرابطين لحراستها سنة (952هـ./1546م) حتى يأتي إليها مدد المسلمين منهم :عبد الله بن ساسي ،وعبد الله المعروف بالكوش ومحمد كانون السباعي ، لكن البرتغاليين عادوا إليها ليلا فأسروا الثلاثة حتى افتكهم المسلمون ب 22000 مثقال ذهبية .
ومن الملاحظ أن لهؤلاء المجاهدين المقاومين للغزاة البرتغاليين صيت كبير في دكالة وعبدة ونواحيهما ومزاراتهم المنتشرة هناك شاهدة على ذلك ( وظلت شهرتهم قائمة حتى بعد موتهم وبنيت عليهم القباب ،وشيدت ضرائحهم وأقيمت حولها المواسم حتى أصبحت رمزا للكفاح والمقاومة ..)
[ توليفة] الشيخ الولي الصالح سيدي كانون بن رحمون السباعي:
ومن لطف الله وتوفيقه أن يسر لنا الاطلاع على صورة لمخطوطة من تأليف سيدي محمد كانون نفسه يتحدث فيها عن نفسه و قبيلته وحياته ومقارباته الصوفية والعرفانية...ومضمون هذه الوثيقة التاريخية الهامة يصحح ما تسرب من أخطاء في نسبه السباعي الشريف وقدره العرفاني المنيف، وهو خطأ كبير في حق هذا الولي الصالح والعلم الواضح ،المتمثل في نسبته خطأ لأولاد أمطاع مع احترامنا لهذه القبيلة الكريمة.
والسبب في ذلك كما يقول البعض أنه سكن بأولاد أمطاع وتملك بها أرضا فنسب إليهم، وهذا خطأ صراح، والتمادي في الخطإ خطأ فادح، وصدوره من علماء الأنساب والتاريخ غلط قادح ، وخاصة إذا صدر ممن يوثق بعلمهم في التاريخ والنسب ـ غفر الله لنا ولهم ـ والأمثلة الآتية دليل ملموس على ما ذكرنا:
ـ ـ ففي بلوغ الآمال مثلا ترجم له بقوله: (( ومنهم ــ أي من تلامذة سيدي عبد العزيز التباع ــ أبو عبد الله محمد كانون المطاعي من أولاد أمطاع المعروفين . كان كبير الشأن من أهل الولاية توفي سنة 981هـ.(1573م) [بلوغ الآمال في مناقب سبعة رجال ص. 181]
ـ ـ وفي ممتع الأسماع في الجزولي والتباع وما لهما من الأتباع ص.53 نقرأ: (ومنهم : الشيخ أبو عبد الله محمد كانون المطاعي من أولاد أمطاع قبيلة من العرب بالمغرب،معروفة، وكان كبير الشأن من أهل الولاية والعرفان توفي سنة إحدى وثمانين وتسعمائة عن سن عالية..وذكره مؤلف تاريخ ناحية دكالة ضمن أوالياء دكالة وعبدة فقال: ' سيدي كانون الذي عاش في القرن الحادي عشر الهجري(17م.)عاصر سيدي القاسمي والد سيدي إسماعيل الشهير، وكان يتحلى بالولاية وبشجاعة نادرة فساهم في عدة معارك ضد البرتغال وهو مدفون في قبة عند الضروسة ،ولم يحدد نسبه ' (تاريخ ناحية دكالة ج.2 ص.112)
ومثل هذه الترجمة وردت في مرآة المحاسن وغيرها..فلا نطيل بإيرادها.
و(توليفته) التي سننشرها كاملة لحمايتها من الضياع والاندثار، ترجم فيها لنفسه، وضمنها معلومات تاريخية وجغرافية دقيقة عن بعض الأماكن التي حل بها كمنطقة (اجبالة) حيث تحدث بتفصيل عن مجريات تاريخ الأدارسة هناك في فترة ضعفهم لما وقعوا بين مطرقة العبيديين من الشرق وسندان المروانيين من الشمال مما أدى إلى انهيار الدولة الإدريسية في المغرب. وهي الحلقة المفقودة بتفاصيلها في تاريخ الأدارسة ولعله أدرجها بتفصيل لتدارك هذا النقص في تلك الحقبة التاريخية.. وكحديثه عن مدينة (قرطبة) بالأندلس لما انتقل إليها موضحا بتفصيل معمارها ومرافقها وصناعاتها وأنشطتها المجتمعية وحضارتها. وأخبر في " توليفته " تلك عن أحداث ووقائع مستقبلية حدثت بالفعل في مواعدها مما يؤكد إلمامه ببعض المغيبات واستشرافه للمستقبل وبعض الوقائع والأحداث، مما يؤكد لنا أنه كان صاحب مكاشفة وولاية وأسرار: كإخباره عن حالة المغرب وأحتلاله من طرف الفرنسيين في منتصف القرن الرابع عشر الهجري حيث وقعت الحماية بعده عام 1332هـ./1912م. وكإخباره بأنه حين كان يعيش في قرطبة,أتاه من أمره بالعودة إلى بلاده فوصل (التوِيجرات ـ بتيغسريت ) في (طرف عين) مما يؤكد أنه كان من أصحاب (الخطوة) بل تجاوز هذا ليتحدث عن وقائع (ماضوية)وأحداث (مستقبلية) وعن أبرز علامات أشراط الساعة ومقاربات صوفية وغيرها .. ولا يقدم على هذه الأمور إلا من كان له نصيب من ولاية ، وحظ من دراية (( وذلك فضلُ اللهِ يؤتيه مَن يشاء واللهُ ذو الفضْلِ العظيم ِ)) مع العلم أنه كان يعيش في القرن العاشر الهجري (تـ. سنة 981هـ ) وهو بهذا الاىستشراف المستقبلي يتماها مع ابن عمه الولي الصالح أبي بكر المداح الذي أخبر عن بعض المغيبات (الماضوية ) وصرح أولمح إلى بعض الأحداث (المستقبلية) في قصيدته (( المجدية)) ..
استقر الشيخ سيدي كانون السباعي في نهاية المطاف بهضاب الميسات قرب أبناء عمه السباعيين بالعمامرة حيث أسس هناك الزاوية الكانونية في القرن العاشر الهجري ،وكرس نفسه لنشر الطريقة الصوفية (الكانونية ــ الجزولية) وتربية المريدين. وانتشرت فروعها في مناطق شتى . نذكر منها زاوية حفيده المجاهد المربي أبي العباس أحمد بن الراضي الكانوني أحد المجاهدين الذين أبلوا البلاء الحسن في الدفاع عن مدينة البريجة ضد البرتغاليين ..وهو صاحب المدرسة التي تأسست أواخر القرن الثاني عشر الهجري مشاطئة للمحيط الأطلسي شمال أسفي والتي لا زال يدرس بها القرآن الكريم حاليا بالقراءات المتواترة. وما زالت إلى وقتنا تقوم بأداء رسالتها النبيلة التي امتد إشعاعها حتىى خارج الوطن.
توفي سيدي محمد كانون السباعي عام 981هـ. عن سن عالية فدفن بزاويته المباركة العامرة بهضاب (الميسات)..وضريحه المبارك حافل بالزوار الذين يأتونه من كل حدب وصوب للاستشفاء وخاصة المصابون بالمس فيشفون بإذن الله . وفي هذا الباب تحكى عنه عدة كرامات منها ما حدثني به أحد الفقراء (لقبه بلكاس) أنه صاحب رجلا من أهله شل نصفه إلى ضريح سيدي كانون بنية الاستشفاء.. وفي ليلة اليوم الثالث من الزيارة بينما كان الرجل المصاب نائما استيقظ فجأة وهو معافى فقال لي:" إني رأيت في المنام أن السيد شتت حولي الليمون وقال لي: إذهب إلى حال سبيلك إن شئت.أعطيتك كتابك " فنهض معافى بحمد الله وانصرفنا..والأمثلة في هذا الباب لا تكاد تحصى..
نص توليفة سيدي كانون بن رحمون السباعي:
هذا النص نقلناه من مصدره 'المخطوط' بدون تعديل ولا تغيير حرفا بحرف، وكلمة بكلمة. وما أضفناه هو بعض علامات الترقيم كالفواصل وعلامات الاستفهام وغيرها .. مع شكل الآيات القرآنية لتٌقرأ قراءة صحيحة .
ونشير إلى أن سيدي كانون تناول في " توليفته" هاته عدة مواضيع دون وضع عناوين فارقة، وإنما كان يكتفي بقوله: (ونبين) لينبه القاريء إلى أنه انتقل إلى موضوع آخر..
صورة الصفحة الأولى من مخطوطة(توليفة) سيدي كانون بن رحمون السباعي
وهذا نصها : بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
قال الشيخ الولي الصالح الزاهد الفاضل سيدي كانون بن رحمون السباعي أصلا ودارا في بلاد عبدة رضي الله عنه وأرضاه:
الحمد لله الذي ملك وخلق، وأنعم ورزق، ولطف ورفق، وخلق الإنسان من علق، أحمده على القدر كيف اتفق، وأستعينه على حادث طرق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له شهادة مخلص قال فصدق، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله إلينا بشيرا ونذيرا لمن أطاع من رزق، فجاء في جادة الجدة جاهدا وانطلق، فصلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وعن أبي بكر الصديق أول من إلى الإسلام سبق، وعلى عمر بن الخطاب الذي كمل به الدين واتسق، وعلى عثمان بن عفان الذي على العباد سبق، وعلى علي بن أبي طالب الذي خرج بالزاهدة من الدنيا وعتق، وعلى أزواج النبي الطاهرات المبرْآت من قول أفاك للكذب اختلق، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الخوف والفراق، ما اكتست الأشجار أوراق، وبدا بعد الظلام ضوء الفلق، وسلم تسليما كثيرا .
وبعد؛ فإن هذه القصيدة قد اشتملت على جميع أولياء الله أهل الصوفية الذين يتصرفون في قبورهم كتصريف الأحياء ،فكل واحد منهم يعمل نائبه ، وذلك أن أربعة المسمون بالبروءة أولهم أبو سعيد القيلوي والشيخ بقاء، والشيخ علي يعني أبو محرز في الغرب، والشيخ عبد القادر. والمؤلف مع الأقطاب الأربعة ، فالأول هو المِؤلف كانون بن رحمون بن جعفر بن عبد الله بن محمد . عبد العزيز التباعي. المراكشي . عبد الرزاق الشياظمي. ثم سبعة رجال القدماء وهم أبو محمد صالح، أبو الحجاج الأقصري، علي بن محمد الهواري، موسى بن محمد الزرول صاحب المغيثات، أبو النجات عثمان بن مرزوق. الشيخ السوبراسمه نصر الدين السنجاري، ثم بعض بالكيل الشيخ عبد الرحمان أبو محمد ماجد الكردي، والشيخ جاكر القاسم بن عبد البصري، الشيخ أرسلان الدمشقي ، عبد الرحيم بن أحمد صفي الدين ابن المنصور أبو البركة ابن صخر ، الشيخ مكارم النهر، حاج علي بن إدريس اليعقوبي، الشيخ خلف ، أبو عبد الله بن أحمد بن علي البطائحي ، أبو المطهر الواسطي، نفعنا الله ببركاتهم ،وكل فرقة من هؤلاء يتفقون على كلمة واحدة في أمور الصوفية ، سالكين بها سبيل الحق المبين صراط الذين أنعمت عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين ، صراط المعرفة بالله على سنن رسول الله ، فإن المقصود من جميع الشرائع معرفة الله،وما سبيلها إلا سبيل أهل الله الكمل ، وجماعها أمران: التحلي بتطهير النفوس من كل ما يشينها ،والتجلي بجميع ما يزين . فاطلب تخليصها من قبيح الأوصاف كالعجب والكبر والرياء وغيرها لتكون من الثوابين ثم من المتطهرين، والله يحب كلا منهما وتتأمل لترقى في منازل القرب من حضرات الرب ،ولا نهاية في ذلك ، فإن أحوال هذا الطريق عزيزة المرام، لا يرقى في سلمها إلا كل همام، ولا يبالغ في التأمل فيها مع المراعاة للقواعد الشرعية والأصول الدينية واصطلاحاتهم العلية لئلا يقع فيما هم براء منه من التجسيم والتشبيه أو التعطيل أو القسمة أو التعدد فينكر عليهم فيحرم الوصول كما قال: من أنكر شيئا من علومهم حرم الوصول إليه ما دام منكرا، بل ويخشى عليه الحرمان للوصول إلى ذلك مطلقا ،فالإنكار أول وهلة ؛ فإياك والاعتراض عليهم إلى أن يأخذ الله بيدك إليهم. وقال مؤلف القصيدة : من لم يكن له نصيب من علم الباطن أخاف عليه من سوء الخاتمة. وأدنى نصيب منه التصديق به ونسلمه لأهله، ومن كان فيه خصلتان لم يفتح عليه من هذا العلم بشيء: بدعة أو كبر، كما قال القطب الرباني أبو الحسن الشاذلي رحمه الله : من لم يتغلغل في هذا العلم مات مصرا على الكبائر، وقال المؤلف ـ رضي الله عنه ـ :كما قال سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى : إن لم يكن لك طي أوصاف النفوس من العجب والرياء والكبر وغيرها كنت من المفتونين وحشرت في زمرة الغافلين. والسالك الصادق في سلوكه يقطعها من أصلها، ومن أراد أن يخلص منها دون سلوك طريق الصوفية فقد طلب المحال، ولذلك ترى الأنوار. وإن سعوا في الخلاص وقعوا في صفة أخرى.ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والمخلصون على خطر عظيم" وقال سيدي علي وفا قدس الله روحه: سبقت كلمة الله التي لا تتبدل، وجرت سنته التي لا تتحول، أن لا ينفخ روح علمه في مخصوص إلا إن انقسم الخلق له بين ملك ساجد،وشيطان حاسد .فاحرص على أن تكون لأهل النعم العلمية محبا خاضعا، وإياك أن تكون لهم مبغضا . أو حاسدا ، فتسلب أوتر جم أوتحرم الأحياء ، وإياك أن يكون حظك من العلم إنكار كل ما جاوز حد قصورك ، فيه هلك المجذلفون من العلماء إنهم أحاطوا بعلم المعقول، والجهل خير من عقل يدعو إلى إنكار مثل هذه الأمور لأولياء الله تعالى ،ومن أنكر ذلك لأولياء الله تعالى لزمه إنكار ما بالأنبياء، وكان خارجا عن الدين، .وقال المؤلف: (من أعظم المعاصي الجهل بالجهل) وقال سيدي أحمد زروق رحمه الله ونفع به: كثر المدعون لهذه الطريق لعزته، وبعدت الإفهام عنه لدقته، وكثر الإنكار على أهله لنظافته وحذر الناصحون من سلوكه لكثرة الغلط فيه، وصنف الأئمة في الرد على أهله لما أحدث أهل الضلال فيه، وما نسبوا إليه، وقال المؤلف رضي الله عنه ونفعنا به: احذر هذا الطريق فإن أكثر الخوارج إنما خرجوا منه وما هو إلا طريق الهلك أو الملك ومن فارق التحقق فيه هلك ومات. نسأل الله العافية بمنه وكرمه. وقال المؤلف الكانوني: أي يحرم على من لم يعرف مصطلحنا أن ينظر في كتبنا ، ثم على من اتصف بالنتائج الألمعية والمعاني الإلهية وكان ممن غرق في بحر التوحيد، وصار إلى بر الخلوة والتجريد، وسقاه الله من كأس القرب والاختصاص، وأجلسه في روضة أنس مشاهدته من بين أهل الاختصاص أن يستر ما تفضل الله علينا قياسا على سر ليلة القدر كما قال أبو هريرة صاحب النبي المعصوم : إني كتمت عنكم جرابا من العلم أخذته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو بثته قطع مني هذا البلعوم، وقال علي رضي الله عنه وكرم وجهه حين عدم ..إن هاهنا وضرب بيده على صدره لعلوما جمة، لو وجدت لها حملة ولا تستمل رجال مسلمون دمى يرون أقبح ما يأتونه حسنا .ولنذكر ما اصطلح عليه القوم ليسهل الرجوع إليه فنقول: المراقبة هي استحضار العبد لاطلاع الرب عليه في جميع أحواله . والمشاهدة هي رِؤية الحق في كل ذرة من ذرات الوجود مع التنزيه عما لا يليق بعظمته، والشهود لرؤية الحق بالحق . والتجلي هو ما يكشف لقلب السالك ولا يكون ذلك إلا بعد فناء صفات السالك فيظهر عليه بعض آثار تلك الصفة بفضل الله تعالى مثلا إذا تجلى الحق عليه بصفة السمع ، صار يسمع نطق الجمادات وغيرها، وقس عليها غيرها من الصفات فينكشف للسالك جريان قدرة الله تعالى في الأشياء، فيرى أنه تعالى هو المحرك والمسكن شهودا حاليا لا يعرفه إلا أهله ، وهذا التجلي مزلة الأقدام، فيخشى على السالك منه ، ولكن "يُثَبت اللهُ الذين آمنوا بالقَوْلِ الثابِتِ" بأن يقيموا حدود الشريعة على أنفسهم مع شهود المسكن والمحرك هو الله تعالى ،وإن لم يتبث تزندق، ورجع من الطريق إلى الله وهبط إلى أسفل السافلين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فالذي يفنى من العبد في الحقيقة صفاته لا ذاته، كما يفهمه الجاهلون الذين كذبوا على الله واعتقدوا الحلول كما قال أولائك الذين يأتوننا بالتفريق بين المسلمين في أواخر القرن الرابع عشر،ويعملون المخالفة بين الناس بكثرة الأقوال كالاتحاد لآن الاتحاد متى ظهرت كما وقع من أصحاب الشطح ما يفهم ذلك فلا يعول عليه لأن الشطح عبارة عن كلمة عليها رأئحة رعونة ودعوى، وهو من زلات السالكين ، فالعبد كلما تقرب إلى الله بالعبودية وأظهر العجز والفنى عن جميع الصفات المنافية للعبودية وهبه الله تعالى فضلا منه صفات حميدة حقيقية عوضا عما فنى منه من الصفات الذميمة الخلقية ،والله تعالى هو القادر على كل شيء ، والعبد هو العاجز عن كل شيء، لكن متى شاء أذهب عن العبد ما فيه من الخبائث وأمده بما يعجز عنه كل ما سوى الله تعالى، فلا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى ولا مبدل لما حكم ، فإذا وهب لعبده ما وهبه تصرف في الأكوان بإرادة سيده. والعبودية هي الوفاء بالعهود، وحفظ الحدود ،والرضى بالموجود، والصبر على المفقود، والسر هو اللطيفة الربانية وباطن الروح، فإن تنزل درجة كان روحا،وإن تنزل درجة أخرى تسمى بالقلب وباللطيفة الإنسانية وبحقيقة الإنسان وهو المدرك المخاطب بالأوامر الشرعية،وإن تنزل درجة أخرى تسمى بالنفس الأمارة وترقي هذا الأمر الرباني لا يكون إلا بسلوك طريق التصوف . فإذا كان السالك في الدرجة الأخيرة وهي درجة الإنسان الحيواني فدواؤه الذي يترقى به إلى درجة الروح تقليل الطعام والمنام والذكر بلفظ الله تعالى الله الله مع الإكثار وهكذا الإكثار إلى أن يصل الأمر الدياني إلى مقامه الأول المسمى الأخْبِيَّ وهو الصورة الأدمية التي كانت للملائكة عليهم السلام، وأما ظاهر النفس الناطقة فهو النفس الشهوانية ،وهي بخار لطيف يحصل للحياة والحس والحركة الإرادية وهي التي تسميها الحكماء الروح الحيواني ،وهو جوهر لطيف مشرق على البدن لتتلقي الأمر الرباني ، فإن صادقته ووفاها وصار تحت حكمها ،تسمى بالنفس الناطقة والأمارة ، فإن لم يبقى للنفس الشهوانية حكم عليه أصلا وتسمى الشهوات وسكن اضطرابه إليها بالكلية تسمى سرا ونفسا مطمئنة، وهذا أول الدخول في مقام الكفل،فإن فنى عن جميع المقامات والمرادات سمي بسر السر والنفس الراضية ، فإن زادها ذو الجلال عليه صار صافيا ونفسيا مرضيا عند الحق والخلق ، فإن أمر بالرجوع إلى العباد لإرشادهم وتكميلهم يسمى أخفى ونفس كاملة ، والنفس الأمارة بالسوء محجوبة عن الله تعالى بالحجب الظلمانية وهي الذنوب وما عداها محجوب بحجب نورانية وهي الالتفات لنحو الكرامات وهي لا توجب البعد بالكلية لأن مثال الحجاب الحاصل من الذنوب مثال الجدارالحائل بينك وبين مطلوبك،فإنك لا ترى مع حيلولته ذاة ولا أثرا ولا شيخا بخلاف الحجب النورانية فإنها كالزجاجة يرى ما وراءها ولكن يخفى ويظهر بقلتها وكثرتها فمتى كانت عين القلب المسماة البصيرة مستورة بظلمات المعاصي المسماة بالرَّان والطبع كان لا يرى شيئا من أنوار الغيوب،ولا يبالي بما يفعله من الآثام والذنوب، ورآى ما عند الله فصار يخاف عقابه،ويرجو ثوابه، ويداوم على الطاعات وبجتنب السيئات، فيحجب حينئذِ بحجب نورانية وهي اعتماد على هذه الأعمال ،فيرى أن المنة لله عليه حيث وفقه وأنه مقصر في الشكر عليها وأن الله إذا أراد بعبده خيرا ألبسه لباس التقوى ليصلح للعرض على حضرته فيحجب حينئذ بطلب الوصال والمشاهدة ورؤية الحق لما وجد من اللذات الروحانية ،وطلب الشيء قبل أوانه لا ينبغي ، فإن أخفته الألطاف الخفية كشف له هذا الحجاب ،ولم يزل يقطع الحجب شيئا فشيئا إلى أن يصل إلى 'مَقْعَدِ صِدْقٍ عنْد مَليكٍ مُقْتَدِرٍ، ولا يعتقد من تشبيهنا الحجب بالزجاجة أن الله تعالى شيء يرى بالعين الباصرة فإنه منزه عن ذلك فالمراد من الحجب الظلمانية الذنوب والخطايا،ومن الحجب النورانية التفات السالك إلى اللذات الأخروية الجنانية وإلى الكرامات والتجليات والوصال وغير ذلك من المقامات والأحوال، ولذلك يطول السلوك على السالكين ويرجع بعضهم من ربُع الطريق، وبعضهم من نصفه، والله يتولى الهداية. وقال شيخ الطريقة الجنيد: فاعلم أن الفتح الرباني ليس هو تلقين الأسماء بل هو نور يعطيه الله لمن يشاء، سواء في أثناء الأسماء أو بعدها، فالسالك إذا كان في المقام الأول،وتلقى الاسم الأول من المسلك وداوم على تلاوته مع الإكثار آناء الليل وأطراف النهار جهرا وسرا، قياما وقعودا أوقد الله بركة هذا الإسم مصباحا ملكوتيا ،فيرى بعين قلبه القبائح، فيسعى في الخلاص منها ،وكلما زاد في الذكر زاد سعيه في الخلاص، وهذا أول كرامة يكرم بها الله سبحانه وتعالى هذا السالك، ليستعين على قطع الطريق،وله في كل مقام كرامة بل كرامات ويثبت ، والمصباح المذكور هو أول الجذبة الرحمانية، وكلما داوم السالك على الذكر مع المجاهدة قوى الجذب حتى يصل إلى أعلى درجات الكمال ، فيقوى على حمل الأمانة وعلى التجليات ، وهذه خاصية الإسم الأول . وأما خاصية الإسم الثاني فهي إخراج المشتغل به من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات. وخاصية الاسم الثالث:ظهور الهوية المطلقة ،والحقيقة الإيمانية والمعارف القدسية الربانية على قلب المشتغل به، فيرغب في الحياة الأبدية وينزاح عن لذة الدنيا الدنية ، ثم بعد ذلك الدخول في مقام الكمل ولخواص الأسماء بكثرة الذكر الجلي القوي والخفي بالمداومة ومع الأدب .منها : إن أمكنه ،جالسا على ركبتيه، أو قائما، وأن يكون خالي البال،وأن يكون بسمعه إلى نطقه صاغيا لما يقول، مع نظافة الظاهر والباطن والمداومة على الوضوء،والتمسك بالشريعة والطريقة، فاطلب ولا تضجر، وإن تفوق عليك الفتح فإنه لا بد لك منه فضلا من الله إن وجدت الأدب . ثم إن السالك يصل إلى المقام بالمجاهدة والرياضة ،وأما وصوله إلى المقام فلا يكون إلا بجذب من جذبات الحق تعالى،وهي مقام حق اليقين وحينئذ يعلم غلط الموحدين بالتوحيد الغالي حيث ظنوا أن من عرف وحدة الوجود كان موحدا، بل واصلا ، بل هو في أعلى درجات الكمال ، مع أن معرفتها لا تفيد فائدة معترف بها، بل يقع بها في الزندقة المهلكة إلا إذا كان معها اتباع الشريعة، وإنما الذي يفيد السالك في سلوكه هو شهود وحدة الوجود والشهود حالة اضطرارية حاصلة عن المجاهدة والرياضة المتعبة، والذل والافتقار والمسكنة . وهذا ما ذكر في النفوس ملخص ما ذكره مجردا .
ولنذكر الآن لكل نفس تنبيها مختصرا من السير والسلوك للشيخ كانون بن رحمون مؤلف القصيدة أظهر الله سره، وقال: إن النفس الأمارة هى صاحبة الجهل والبخل والحرص والكبر والغضب في الشر والشهوة والحسد وسوء الخلق، والخوض في ما لا يعني من الكلام وغيره، والاستهزاء والبغض والإبداء باليد واللسان وغير ذلك من القبائح، لأن هذه النفس هي المشار إليها بالخسر،وأسفل السافلين . فكن أيها الأخ منها على حذر، ولا تنتصر إليها إن أحد أداها،بل كن معينا له عليها؛ وتخلص من هذه الآفات التي منعت القلوب من طلب الغيوب بالذكر الكثير القوي، وتقليل الطعام، والمنام ، فإن ذلك يضيق مسالك الشيطان ويقرب القلب من الأوطان بشهود شمس العيان،وظهور حقيقة الإيمان . وقف على أبواب الشريعة ،وحاسب النفس كل ساعة، وخوفها بالموت وعذاب القبر وما بعده من الأهوال، إلا إذا وصل الخوف إلى درجة القنوط فيجب عليك حينئذ تذكر أسباب الرجاء وسعة رحمة الله تعالى، وعليك بالتذلل والخضوع والتضرع له تعالى واطلب الخلاص بلطفه وإحسانه من الأوصاف الذميمة والتحلي بالصفات الحميدة : كالصدق والتواضع، والمحبة والإخلاص والخمول ،ونحو ذلك ، لأنك إذا اشتغلت بخلاص نفسك من الآفات وتبدلت بالأوصاف الحميدة ، شاهدت له بعض العجائب المكنونة ، والأسرار المخزونة ، في صدق البشرية ، وأقبل على من أغنى لك عنه بمعاملات الإحسان ، قبل أن تساق إليه بسلاسل الامتحان ، وقد قال لك :من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا... الحديث .. فاترك التواني واعرض فيما يشغلك عنه، واستغن بالقناعة بما في يدك ودع اللذات الفانية لأهلها ، ولا تتسوف التوبة والإقبال على الله تعالى فإنك لا تدري ما يبقى من عمرك كما نقله السنوسي في بعض كتبه، يقول: الإجماع على أن التوبة واجبة على الفور ويلزم من تأخيرها تضاعف الذنوب على من لم يثب ،وليس هذا التضاعف كتضاعف الحسنات بل إذا لم يثب صار عليه ذنب الفعل وذنب ترك التوبة، وهذان الذنبان تجب التوبة منهما أيضا ،وإذا لم يثب منهما على الفور صار صاحب أربعة،وعلى هذا القياس . وإذا نظرت بعين الاتصاف والشفقة على نفسك رأيت احتياجك إلى التوبة أشد من احتياجك إلى المأكل والمشرب والمسكن ، لأنها قد حجبت إلى مباليغ مطالعة الغيوب ،وحالت بينك وبين كل محبوب،وعلامات خلاص النفس من الآفات الضارة أن يكون الخلق كلهم عنده على السوية لا يحبهم محبة طبيعية تميله إليهم في منكر ، ولا يكرههم كراهة تغير باطنه عليهم في معروف ويستوي عنده جميع المآكل وجميع الملابس ، فمن رأى في نفسه شهوة لبعض دون بعض وجب عليه المجاهدة إلى أن يستوي عنده ، وإلا كان حيوانا في صورة إنسان، بل الحيوان خير منه لأنه ليس عليه تكليف ولا حساب ولا عقاب.
لنذكر لك النفس اللوامة وهي التي لها رغبة في المجاهدة ،ومرافقة الشرع، ولها أعمال صالحة من قيام وصيام وصدقة وغير ذلك من أفعال البر، لكن يدخل عليهم العجب والكبر وكذا الرياء الخفي، بأن يحب صاحبها أن يطلع الناس على ما هو عليه من الأعمال الصالحة كالإخلاص وغيره، ويحمده عليها مع أنه يخفيها عنهم، ويعمل لله ويكره هذه الخطة لكن لا يمكنه فعلها بالكلية، والخلاص من ذلك الرياء يكون بالفناء عن شهود الإخلاص بشهود أن المحرك والمسكن هو الله تعالى شهود ذوق ويشهد أن منة لله تعالى عليه حيث فتح له أبواب العبادات ومكنه من الدخول إلى حضرته وأهله للقبول في خدمته،والخلاص من الأولين يكون بالمجاهدة وهي ترك العادات ومعظميها يكون بستة أشياء: تقليل الطعام،وتقليل المنام، وتقليل الكلام،والاعتزال عن الأنام،والذكر المدام،والفكر التام، فمن جعلها بصدق نقلته إلى الباقي، والمطلوب من هذه الأشياء الاعتدال. ولنا لم يقولوا من ترك الطعام ،بل لا يأكل حتى يجوع، وإذا أكل لم يشبع، ويترك الألوان ، وعلى هدا ينبغي أن يترك عادة الغذاء والعشاء وقد تعسر الحالة المذكورة على نفس المبتدئ، فيجب عليه حينئذ ظلمها والتعدي عليها بأن يقال المأكل بالكلية يحملها على ما لا تطيقه من الأعمال حتى ترضى بالذي ذكرناه ،ولا يجالس إنسانا غير شيخه ولو قال : أنا الخضر ، لأن المشايخ رضي الله عنهم وعنا بهم شبهوا الحكمة في القلب مع الحواس الخمس بشمعة مشعولة في بيت له خمسة أبواب فإن سدت الأبواب بقية الشمعة وإلا طفيت فكذلك إذا توجه المريد لسماع المسموعات وإبصار المبصرات وشم المشمومات وذوق المذوقات غارت الحكمة وانطفأ النور المشار إليه، يقول النبي صلى الله علبه وسلم: إذا أنزل النور في القلب انفسح وانشرح، قيل يا رسول الله هل لذلك من علامات قال: نعم. ألتجافي عن دار الغرور، وإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله. وإن أعرض المريد عن مذكرات الحواس الخمس بالخلوة والغربة عن الخلق بالرياضة وقطع جميع الشهوات النفسانية تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه، أما الشهوة الروحانية فلا تضر هذا المقام فأعظم القواطع الركون إلى الخلق، لأن القصد مخالفة ما هم عليه، والمخالطة توجب الموافقة فيما هم عليه، من الضحك والمزاح والكلام وغير ذلك، ومن خالف الناس في أوضاعهم قيل في حقه إنه مجنون، فاستوحش من جميع الناس حتى يقال إنك مجنون، فحينئذ تستأنس بالحق وترى العجائب، إن شاء الله تعالى ،وتدخل في عالم المثال،وهو عالم الخيال وهو حالة متوسطة بين النوم واليقظة ،تعرض للسالك وهو جالس غالبا، ويسمونها بالواقعة ويرى فيها ما يرى بشرط أنه يعلم المكان الذي هو فيه والوقت الذي هو فيه أيضا، ويعلم أنه بين النوم واليقظة، وإلا كان مناما وربما يغلب جانب اليقظة فيه لا يعمل فيسمى ذلك مشافهة فنرى أنا أعني المؤلف وبعض أصحابه الروحانيين وروح النبي صلى الله عليه وسلم خمسون مرات عيانا ،فكل رِؤية بتكليمها ونظن أنه مستيقظ فلا نرى فيها إلا بعين البصيرة، فكل واحد منا يأخذ ما يكفيه منه من الإلهام ،وجرى ذلك لبعض مشايخنا، وكما قال شيخ أشياخنا الأستاذ القطب الشمس الخضري قدس الله سره، هذا مذهب له ، فخالف لما عليه الجمهور من المحققين من أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم من خير الكرامات الخارقة للعادات،ولا مانع من عدم خرق ربع الحجب لمن لم يكن من أهلها وإن كان عند من خرقت له ممن هو من أهلها فالحق جواز رؤيته بعين البصر، لكون المقام مقام كرامة وخرق عادة.
قال المؤلف أيضا: إن روحه صلى الله عليه وسلم تتشكل بصورة أئتلفت بروح إنسان إئتلافا بليغا بسبب كثرة الصلاة عليه، فيبصره تارة بعين بصره وتارة بعين بصيرته، بل هذا الثاني أقوى لأن رؤية البصر ربما طرقتها الظنون والأوهام، ورؤية البصيرة الصافية لا وهم فيها ولا خيال فيما قيل من أن الولي إذا أخبر برؤيته يقظة ،يحمل على أنه كان غائبا مستغرقا فرأى بعين بصيرته فظن أنه رأى بعين بصره مردود لما فيه من إساءة الظن بهم ، حيث اشتبه عليهم رؤية الغيبة برِؤية اليقظة ، نعم إن أخبر أنه رآه يقظة وأنه أمره بما يخالف الشرع،أو نهاه عما لم ينته عليه شرعا ، حمل على أنه كان مستغرقا فلا ضبط فيه، كما أنه إذا رأى ذلك مناما لآ يعمل به لأن النائم لا يضبط . وقال شيخ مشايخنا الشمس بن عبد الكريم السماني المدني ـ قدس الله سره ـ إن السائرين إلى الله على قسمين: قسم يدركون ما يفيضه الحق سبحانه وتعالى عليهم يقظة ،ويستمتعون في ذلك جهرة، وأهل هذا القسم قد نقل إليهم عالم الخيال إلى عالم الحس إكراما من الحق تعالى لهم، واعتناء بهم. وقسم لا يدركون ذلك إلا في حالة النوم، فإذا شهدوا ما من الله تعالى به عليهم بردت به همومهم وانزاحت ظلمهم . قال المؤلف : وفي هذا العالم أي عالم المثال تكون الفهوانية وهي خطاب الحق للسالك بطريقة المكافحة، في عالم المثال، وعلامته أن تعقبه علوم ومعارف واتباع الشريعة وتخلق بالطريقة وأما إن أعقبته زندقة وشيطانية واتباع الهوى فهو شيطان جاء ليقطع السالك عن الطريق، إذ علامة تصفية القلب حصول الإلهامات والعلوم الربانية ، والموافقة للكتاب والسنة والإجماع كما ذكرنا في كتاب ' التدبيرات الإلهية' متى اشتد الحال على الإنسان وغاب عن الوجود الحسي ،فإن حصل له في تلك الغيبة علم بعقله هناك وبعقله إذا رجع ويعبر عنه بقدر ما أعطاه الله من العبارة فذاك هو الحال الإلهي ويجد القلب عند الإفاقة سرورا ،وربما عرته البرودة فداك حال صحيح إن غاب ثم رد ولم يجد شيئا فذاك من المزاح لما حمى القلب بالذكر أو بالتخييل صعد بخار من التجويف إلى الدماغ فحجب العقل ومنع الروح الحيواني من السريان ورمى بصاحبه كالمصروع ، فهذا حال صحيح ولكن ليس فيه فائدة، لأنه من المزاح. ثم قال المؤلف أيضا: فجد واجتهد واستخرج ما بقي فيك من آثار النفس الأمارة من الكبر والحسد والعداوة والعجب والرياء وسوء الظن في عباد الله والاعتراض عليهم بالباطن والظاهر ،ولا مخلص من هذه الأشياء بالكلية إلا إذا تجنبت الخلق، واعترضت عنهم بظاهرك وباطنك حتى قيل إنه لا يلزمك في هذا المقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن ذلك ينبغي أن يكون بلطف ورفق وأنت في هذا المقام لا تقدر على ذلك ومن ظهر له شيء في هذه الأسرار فلا مجاهدة ، فهو من دعوى النفس ، فلا تصدقها وكن أنت المحتسب عليها ، وكل ما ظهر منها ما يخالف الطريقة فازجرها وعادها واحكه لشيخك، ولا تخف عنه شيئا من قبائحها لأن كل ما حصلته من الأسرار فنفعه عائد عليك فعالج نفسك بالشريعة وخلصها من أمراضها وأعظمها الكبر والعجب اللذان هما أصل الغضب الذي ينشأ عنه الحقد الذي يتفرع عنه الحسد، ولا يزول الكبر والعجب إلا إذا انقطع المدد عنهما وهو افتناء البطن، وللحسد أسباب أخرى كحب الرئاسة وحب النفس ،وكثيرا ما تكون هذه الأسباب بين أهل هذه الطريق المتصوفين ،فيتمنى زوال ما على أخيه من المشيخة أو الخلافة ، وما عليه من الاستقامة والتوجه إلى الله تعالى . إذا عرفت ذلك فعليك بأربعة أشياء والتأمل فيها: الأول: أن الله تعالى لا يعجزه شيء والثاني : إحاطة علمه بكل شيء، الثالث أنه تعالى أرحم الراحمين . الرابع : أن جميع أفعاله خير. فإن تحققت بالأول تزيد همتك في التوجه إليه والطلب منه مع اليقين بالإجابة،والطلب على هذا المنوال لا يُرَد أصلا. وتحققك بالثاني والأخير: يحقق لك مقام التوكل والرضى والشوق والمحبة وغير ذلك وتحققك بالثالث يدفع عنك خوف الإنس والجن اهـ.
ونبين لك ما عملت النفس الملهمة وهي التي قويت على المجاهدة والتجريد ،ولاحت لها بشائر التوحيد لكنها لم تخلص من جميع مقتضيات البشرية ،فيخشى على من غفل عنها أن يهوى إلى أسفل السافلين فينبغي لكل حينئذ أيها السالك أن يكون باطنك معمورا بالحقيقة الإيمانية وظاهرك معمورا بالحقيقة الإسلامية، وذلك بأن يكون باطنك محققا بأن ما في الوجود جار على وفق إرادة الله تعالى مقدور بقدرته، تبارك وتعالى ،وأن يكون ظاهرك ملتبسا بالطاعات مجتنبا لجميع الكبائر ، وأكثر الصغائر سواء كنت بين الناس أولا. فإذا رأيت نفسك كذلك فانبسط وانشرح، لأنك في هذه الحال متعرض للكمال وللجذبة التي هي خير من عمل المتقين وللشهادة ،واخلع القدار، واعرض عن الأكدار،ولا تفكر في جنة ولا نار، لأنك في مقام العاشقين المتلذذين بالذل والافتقار ،والصادق في العشق والمحبة هو الذي ليس في قلبه سوى محبوبه ، نسي الخلق كلهم، فلم يخطروا على باله فغاب عن كل مدرك غيبة ذهول، لا غيبة إغماء ونوم، فيذهب العقل عن المعقولات وكل حاسة عن محسوسها ،وتصير كأنك تدرك ولا تدرك، كحال رجل أصيب بمصيبة فمر على صاحبه ونظر إلى وجهه ولم يسلم عليه، فإذا قيل له لأي شيء لم تسلم؟ فيقول له : والله ما رأيتك من عظم مصيبتي . ولما كان هذا المقام محل الذهول كانت إقامة السالك فيه مدة طويلة، فهو ذاهل من نفسه ،ومشتغل عن محبوبه بذكر اسمه وهذا هو الفناء الأول المعين على الترقي إلى المقام الرابع، فينبغي لك حينئذ ملازمة الأدب ،وإتباع الشرع مع كثرة الذكر والفكر والجوع والسهر والصمت والاعتزال ،وأن تتمسك بأذيال شيخك بأن تخبره بالخواطر حسنها وسيئها وكلما زاد اعتقادك فيه قوى انجذابك إلى عالم القدس ، وضعف جانب البشرية، وقد يغلب على ظنك في هذا المقام أنك أعرف من شيخك فتحرم المدد منه، فادفع هذا الظن بملاحظة أن أحوال الكامل لا تقاس على أحوال غيره، ولا يعلم حقيقة الكامل إلا الله تعالى ،في الحديث:" إذا أبلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث" وادخل تحت كنفه؛ واجزم بأن خلاصك على يديه وتحمل ما تلقاه منه من الأذى وكن بين يديه كالميت بين يدي الغاسل،وكن حالة الذكر كأنك تخاطب أعضاءك، بأن ليس في الوجود إلا هوية الحق تعالى ، وأن كل ما سوى الله تعالى هو من صفات الله تعالى وأفعاله، فإن هذا هو مشهد الكاملين،والهوية السارية في جميع الموجودات عبارة عن الذات العلية الملاحظة لا شرط شيء ولا بشرط لا شيء ، فإذا دمت على هذا الشهود صار لك حالا لا ينفك وهو الغاية القصوى ،وصاحبه لا يحجب بالخلق عن الحق، ولا بالوحدة عن الكثرة بل يشهد الكثرة في عين الواحدة، والواحدة في عين الكثرة، ويشهد الحق تعالى ظاهرا وباطنا في المظاهر، فهو في الفرق الثاني فلا يشهد ظاهرا بلا ظاهر كما هو مشهد الموحدين الذين اتحد في شهودهم الظاهر والمظهر، واستهلكت المظاهر عندهم في الظاهر فلا يشهدون كثرة أصلا ولا خلقا ولا سوى، وكذلك لا يشهدون بظاهر بعين ظاهر كما هو مشهد المستبدئين المحجوبين بالخلق عن الحد فلا يشهدون إلا خلقا وبالكثرة عن الواحدة فلا يرون إلا كثرة ومشهد الموحدين ناقص لما فيه من التعطيل وإبطال خواص أسماء الله تعالى ،ولكن صاحبه معذور لأنه مغلوب،ومشهد المستبدئين أنقض لما فيه السجن في الرق الأول .والخلاصة أن الذات العلية إن لوحظت بشرط أن لا يكون معها بشر سُميت عند القوم بالمرتبة الأحدية المستهلك فيها جميع الأسماء والصفات ،وتسمى حقيقة الحقائق، وإن لوحظت بشرط جميع الأشياء سميت بالوجدية وإن لوحظت لا بشرط ولا بشرط شيء سميت بالهوية السارية في جميع الموجودات سريانا معنويا كما سيأتي ،وحيث أن جميع الشروط المعتزة على قياس المرتبة التي رتبناه ُ على طريقة الحسية . ونبين شيئا من عالم المكتوم ،واستفدنا شيئا في الأحكام التي ترقبها أولياء معاصرين معنا،واشتركنا قياسا على ما هو الصحيح أن الزمان قد يأتي في آخر الزمان في أواسط القرن الرابع عشر ، وستكون فيهم تولية خاصة من بني الأصفر الفرنجيين ويتولون على جميع المغرب قيل في غرب الأقصى سبعون عاما أو أكثر ،ويتلون عليهم الفرنساويين حكومة الغصابية ودخلوا أولئك الرهط بالسياسة ويخرجون بها من بعض الأولياء من آل فلالة، ويتولى على جميع المغرب واسمه ظاهر وعمله الفرنسيون عمالة الخرازة، إن بللوا الْمَلْخَة وعملوه في تحت ركبتيه ،ولكن يتبعونهم بالسياسة إلى أن يأمر الله بإخراجهم بلا مشقة ولا تعب ولا صعب،ولكن المخالفة بقت بين المسلمين ولا يرضى واحد بواحد، لكن الطمع واقع في كل جهة من كثرة الطرق،ومن بعد أعمالنا وعلمنا من جميع ائمة الهدى أن كل واحد من أهل الدائرة يحوز قسمته وحظه ويستره،لأن الزمان الآتي سيكون المؤمن ذليلا، والفاجر عزيزا، وتركب الفروج السروج، ويأكل الرجل من فرج ابنته إلى أن شاعت المنكرات ، وقلت الطاعات، وأرسل الله يومئذ على الأرض القحط،، يزرع الناس ولا يحصدون فعند ذاك يقوم أهل التوحيد ويكونون جلاس بيوتهم لأن الحق غاب وظهر الباطل، وصار المعروف منكرا،والمنكر معروفا،وظهرت البدع، وأكل الناس الربا،وتخرج النساء متبرجات،وحبست الزكاة، وقلت الصدقة، وأهين العلماء، وأكرم الشعراء،إذا عملت الناس خصائل حل بها البلاء، إذا اتخذوا المغانم دوما، والإعانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم العلم لغير الدين ، وأطاع الرجل امرأته، وأدنى صديقه، وعصا أباه وأمه،وارتفعت الآصوات في المساجد،وكان زعيم القوم أرذلهم، وإكرام الرجل مخافة شره، ولعن آخر الأمة أولها فعند ذلك تحبس السماء ماءها ،وتحبس الأرض نباتها، وترفع البركة، وخسفت الشمش والقمر ثلاثة خسوفات :خسف بالمشرق ،وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة ، ويظهر الهاشمي والسفياني والقحطاني والترك والحبشة ،وبعدهم الدجال ،وإغلاق باب الثوبة ،وقيل إن إغلاق باب الثوبة موجود لأجل قلة الإيمان ، والنكران على درهمين،وقلة الطاعة للأمير لأنهم حقروه، وأخر من يأتي بإخلاص دون مخالفة ويرغب لهم خيرا، ولكن ستأتيهم الفتنة الكاملة من أفواههم ،وأما أميرهم فيتبع أثرهم غنيا أو فقيرا فهو أولى بهما ونبين لكم ثانيا أن الهدة ستقع في رمضان المعظم وهي من أشراط الساعة لأن الأولياء المعاصرين معنا فكل واحد جاز حظه وستره.وأما أنا وشيخنا أولياء الاتباع، وهو سيدي عبد العزيز التباع فأفشينا جميع ما رأينا لآجل صفة من أولادنا الكائنين في آخر الزمان ،ستقع الفتنة بينهم والمخالفة فيخافون من ذي العرش إقالا والخير في كنوز الله كثير، فكل واحد من أولادي لا يرضى لأخيه من جانب كثرة الحسد وإنا لا ألحق إلى هذه المرتبة إلا بالتسليم لجميع الخلائق، لآن والدي وأمي ماتا وتركنا يتيما مهملا دون بلوغ، ونهوم للدنيا لم نترك برا ولا بحرا إلى أن لقينا مع مولاي عبد السلام بن مشيش واقتدينا به بالسر والنجوى وأعطاني الله معه الفوائد ونتبع أثرهم لفرق ودخلنا طنجة وكنت فيها عامين ونستفيد من صاحب طنجة شيئا يسيرا ،وخرجنا من طنجة وسرحنا غنام العروبية ،ودخلنا بلاد جبالة ولقينا فتنة عظيمة بين أرباب الوقت لما كان حامد بن حمدان وليا على مدينة فاس من قبل الشيعة استمر على ولايته إلى أن ثار عليه أحمد بن بكر بن عبد الرحمان الجدامي إثر موت عبد الله المهدي فقتل حامدا وبعث برأسه وولده إلى يد موسى بن أبي العافية ،ووجهه حالا إلى الناصر بقرطبة ،ثم تولى المغرب وعادت الدعوة إلى بني مروان ، عندما بلغ الخبر لصاحب افريقية أي القاسم بن عبيد الله المهدي الذي خلف أباه وجه قائده ميسور الخصي إلى المغرب وحينا جبن ابن أبي العافية على مبارزته معتصما بحصن الكاي وتقدم إلى فاس فحاصرها إلى أن خرج إليه أحمد بن بكر مبايعا وقدم إليه هدايا ثمينة ومالا جسيما ،فحاز ميسور كل ذلك ثم قبض عليه وقيده وبعث به إلى المهدية ولذالك امتنع أهل فاس على ميسور وأغلقوا دونه الأبواب،وجعلوا عليهم حسن بن قاسم اللواتي فحاصرهم ميسور سبعة أشهر ،ولما طال بهم الحصار رغبوا في السلم فصالحهم على أن يعطوه ستة ألاف دينار وأثاثا ونفائس وكتبوا بيعتهم لابن قاسم الشيعي وسجلوا اسمه في سكتهم وخطبوا له على منابرهم، قبل ميسور منهم ذلك وأقر عليهم حسن بن قاسم اللواتي وارتحل عنهم، استمر حسن بن قاسم عاملا إلى أن قدم أحمد بن بكر من المهدية مطلقا مكرما، فتخلى له عما كان بيده فكانت ولاية حسن بن قاسم على فاس ثمان عشرة سنة ثم أقام حامد بن حمدان عاملا على فاس إلى أن ثار عليه أحمد بن بكر داعيا للمروانيين عقب وفاة المهدي فقتل حامدا وبعث برأسه كما ذكرنا وولده إلى موسى فأرسله إلى الناصر وعادت الدعوة لبني مروان،ولما بلغ الخبر صاحب إفريقية أرسل قائده ميسورا فجبن موسى عن لقائه ودخل فاسا وقيد عاملها أحمد بن بكر وأرسله إلى المهدية ثم صالحه أهل فاس وكتبوا بيعتهم إلى أبي القاسم ثم ارتحل عنهم واستمر حسن عاملا إلى أن حضر بلكين بن زيري الصنهاجي من القيروان إلى المغرب لأخذ ثأر أبيه فأعمل السيف في ازناتة وملك المغرب وقطع الدعوة الأموية فأخذ البيعة للمعز صاحب افريقيا ومال الحسن إليه وأعانه ،اتصل خبر الحسن بالحكم المستنصر الأموي لما بلغ المستنصر خبر خروج الحسن عنه، أرسل له قائده محمد بن القاسم بن طَمْلِشْ في جيش كبير فالتقى معه بأحواز طنجة فقتله الحسن وانهزم جيشه مستغيثا بالمستنصر، وعلى عجل أمده بكتيبة تحت قيادة البطل غالب صاحب حروبه، بعدما أوصاه وصايا مؤثرة عند وداعه، وفعلا خرج غالب آخر شوال سنة اثنين وستين وخمسمائة ،ولم يلبث أن اتصل خبره بالحسن فخاف وأخلا مدينة البصرة حاملا حرابه وذخائره لقلعة حجر النسر ثم قاتل غالبا أياما،غير أن غالبا أخذ يستميل البدو نساءه والرجال باذلا الأموال فيهم إلى أن فر جلهم عنه، وما بقي معه غير خاصته وبعض الرجال فلم يجد بدا من التحصن بحجر النسر ..ومع لك تبعه غالب وحاصره قاطعا المواد مستمدا القوة والإعانة من مولاه المستنصر الذي يقوم معه وحينا أن الناس عبيد العصا في كل وقت وحين ..وقالوا ياغالب سر مسير من لا إذن له في الرجوع إلا حيا منصورا أو ميتا معذورا ، ولا نشح بمال وابسط يدك به يتبعك الناس.ويومئذ توفي الفقيه الصالح أبو ميمونة إدريس بن إسماعيل أول من أدخل مدونة سحنون مدينة فاس ،ويقال توفي سنة 557 سبعة وخمسون وخمسمائة كما للرشاطي قال أبو العباس ولعله أصح وأيضا فهو الذي أدخل مذهب إمامنا مالك رضي الله عنه لبلاد المغرب وكان الغالب عليها قديما مذهب الكوفيين أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه ، وحينئذ أن الحسن لم يتأخر عن إمداده فاشتد الحصار على الحسن الأمر الذي حفزه لطلب الأمان فطلبه على نفسه ومن إليه على النزول إلى غالب والمسير معه لقرطبة ، فأجابه غالب وعاهده وقد سلم إليه الحصن فملكه واستنزل منه جميع العلويين وأبعدهم عن أوطانهم وما ترك منهم رئيسا ، وقصد غالب فاس فملكها وجعل على عدوتها محمد بن أبي علي بن مشوش وعبد الكريم بن ثعلبة ،فلم تزل فاس بيد بني أمية إلى أن غلب عليهم زير بن عطية المغراوي ، ثم عاد غالب إلى الأندلس فدخلها دخول البطل الظافر وقد تلقاه الحكم في منظر مشهود ،ودفع الحسن إليه فأكرمه ورجاله،ووفى لهم بالعهد ، وأجرى عليهم جريان طيبة .بعدما استقر الحسن كما وصف حصلت بينهما نفرة إذ كانت للحسن قطعة عنبر غريبة الشكل كبيرة الجرم ظفر بها في بعض السواحل من العدوة بالمغرب أيام ملكه فضمها إلى ذخائره،وبعدما اتصل خبرها بالحكم طلبها منه فامتنع وأبي أن يسلمها له، فنكبه عليها وسلمه جميع أمواله وهذا ما وقع وجرى لنا بإذن الله الواحد القهار،هذا ما أردنا وجمعناه على سبيل الاختصار.
ونبين كيفية الشيخ وأشياخه لأنه رضي الله عنه وأرضاه آمين، وهم ألقطب أبو الحسن سيدي علي ابن عبد الله السجلماسي ، فهو أول من اتخذ العلم وجمع الصوفية، وشيخه الأول في أكلميم يعرف بالصحراوي، وثم شيخه أبو العباس سيدي أحمد بن يوسف الملياني عن شيخه القطب سيدي أحمد ابن أحمد الزروقي الفاسي عن شيخه القطب أبي العباس سيدي أحمد بن عطاء الله الأسكندري عن شيخه أبي العباس ألمديني عن شيخه القطب الشريف سيدي ومولاي أبي الحسن علي بن عبد الله الشاذلي عن شيخه القطب أبي زيد سيدي عبد الرحمان العطاري المعروف بالزياتي المزني عن شيخه القطب سيدي تقي الدين بن الفقير عن شيخه القطب محيي الدين عن شيخه القطب نور الدين عن شيخه تاج الدين عن شيخه القطب شمس الدين عن شيخه القطب زين الدين أبي الحسن علي بن الحسين القزويني عن شيخه القطب إبراهيم البصري عن شيخه القطب أبي العباس أحمد المرواني عن شيخه القطب الشيخ سعيد عن شيخه القطب فتح السعود عن شيخه سعيد الغزواني عن شيخه القطب جابر عن شيخه أولاد الأقطاب سيدنا ومولانا الحسن بن سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم ومجد وعظم وجهه القرشي الهاشمي ، صهر النبي سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه .
ويليه نسب الولي الصالح سيدي كانون بن رحمون لأن والده سيدي رحمون كان معاصرا مع ولي من أولياء الله سيدي عبد العزيز التباع،وهما متجاولون في البلدان ولم يتركا بلدا وهما أولا من الصنيعة الصياغة، يخدمان في الصاغة ويضربون في خدمة السكاكة المسكوكة إلى أن بلغا ما بلغا في الخدمة في بلاد الشياطمة في بئر كوات.وهبوا لهما أهل البلاد وهبا من تلك الناحية،وكانا سياحان. فرق الله بينهما..ودخل سيدي كانون بلدان المغرب وخاف من صاحب البلاد،ودخل غرناطة.وهي مدينة محدثة وما كان هناك مدينة مقصودة إلا البيرة فخربت وانتقل أهلها إلى غرناطة،وحسن الصنهاجي هو الذي مدنها وبنى قصاريتها وأسوارها ثم زاد في عمارتها ابن الصنهاجي باديس بعده، وهي مدينة يشقها نهر الثلج المسمى سيدل ومبدأه من جبل سمكير ، والثلج بهذا الجبل لا يبرح، ومن المدن المشهورة في غرناطة تسمى المرية، وكانت مدينة الإسلام،في أيام الهاشميين، وكان بها من جميع الصناعات كل غريبة، وكان بها النسج المطرز ثمانمائة نول للجلل والحرير النفيسة والديباج الفاخرة ألفنول وللسملاطون كذلك ، للثياب الجرجانية كذلك، والاصبهان مثل ذلك . والفتاني والمعاجز الذهبية ـ استورو المملكة بالشرج ، وكان يصنع بها من آلات الحديد والنحاس والزجاج مما لا يوصف وكان بها من أنواع الفاكهة العجيبة التي تأتيها من وادي بجاية ما يعجز عنه الوصف حسنا وطيبا وكثرة ، وتباع بأرخص ثمن،وهذا الوادي طوله أربعون ميلا في مثله كلها بساتين مثمرة، وجنات نضرة، وأنهار مطرة، وطيور مغردة ،ولم يكن في بلاد الأندلس أكثر مالا من أهلها ، ولا أكثر متاجر، ولا أعظم ذخائر ، وكان بها من الفنادق والحمامات ألف مغلق، إلا ثلاثين، وهي بين جبلين بينهما خندق معمور، على الجبل الواحد قصبتها المشهورة بالحصانة وعلى الجبل الأخر ربطها والسور محيط بالمدينة والربط وغَرْفَيْها ربط لها أخرى يسمى الحوض بل وربط الحوض، ذو أسواق وحمامات وفنادق وصنعة ،وقد استدار بها من كل جهة حصون مرتفعة،وأحجار أزلية وكأنها غربلت أرضها من التراب ولها مدن وضياع متصلة الأنهار ،،
وقد آتاني خبر من بعض الإخوة وصدقته ، وأمرني أن نرجع إلى البلاد بإذن الله ورجعنا إلى حالة البلاد وشممنا رائحة الإخوان ، وقدمنا إلى التويجرات في تيغسريت في طرفة عين، وأصبت إخوة على حالة الله ،ونجدد أركان البلاد ونسكن في التويجرات من أولاد رحمون بن ركرياء بن محمد ابن عياد ابن عبد الحميد بن علي بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن إدريس بن إدريس ابن عبد الله ابن حسن بن الحسن بن علي رضي الله عنه وكرم وجهه. [[انتهت التوليفة التي ألفها الشيخ سيدي كانون السباعي رحمه الله ونفعنا وإياكم ببركاته.. ]] ـ

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق