السبت، 8 أغسطس 2026

تديير الماء بسبتة المغربية

 كيف تمكنت مدينة سبتة، بمجالها الضيق الذي لا يتعدى حوالي 19 كلم مربع والمطوق جغرافياً وسياسياً، من تأمين حاجتها الحيوية من المياه بمعزل عن شبكات التزود الحضرية المغربية؟ وكيف تطور هذا التدبير من النظم التراثية في العصر الإسلامي إلى الاعتماد الكلي على التكنولوجيا في الفترة الإسبانية؟


سبتة ما قبل الاستعمار.. عبقرية "الصهاريج" والتحصين المائي في العصرين الموحدي والمريني، 

كانت سبتة تُدبر مياهها كـ "قلعة صامدة". وبسبب غياب الأنهار الدائمة، اعتمد السبتيون على "اقتصاد الندرة" عبر حلول هندسية بارعة:

• خزن الأمطار: 

شكلت الصهاريج الضخمة العمود الفقري للمدينة، حيث بُنيت تحت المنازل والمساجد والأسوار لتلقي مياه الأمطار وتخزينها لسنوات الحصار.

• الآبار والعيون: 

جرى استغلال العيون القليلة في جبل "موسى" (المنطقة المحيطة) وحفر الآبار داخل الأسوار، مع ابتكار عقود قانونية دقيقة لتنظيم الري واستغلال المياه لضمان العدالة المائية ومنع الهدر.


سبتة في الفترة الإسبانية.. من السدود إلى "صناعة" الماء:

 تكشف الوثيقة التوجيهية للخطة الهيدرولوجية لسبتة (2022-2027)"أن المدينة انتقلت إلى مرحلة "الاستقلال المائي التقني" لمواجهة عزلتها الجغرافية عن العمق المغربي، وذلك عبر ثلاثة مسارات استراتيجية:

1. محطة التحلية (شريان الحياة): نظراً لأن الموارد الطبيعية (الوديان الموسمية والمياه الجوفية) لا توفر سوى كميات ضئيلة لا تتعدى مليون متر مكعب سنوياً، أصبحت "تحلية مياه البحر" هي الركيزة الأساسية، حيث تُنتج المحطة حالياً ما يصل إلى 30000 متر مكعب يومياً لتلبية طلب حضري سنوي قدره 8.9 مليون متر مكعب.

2. نظام السدود: تعتمد المدينة على سدي "الجحيم" (Infierno) و"الرينيغادو" (Renegado). ورغم صغر حجمهما، إلا أن دورهما حيوي في تنظيم التدفقات المطرية والعمل كخزان استراتيجي للطوارئ في هذا المجال الضيق.

3. إعادة التدوير والرقابة الرقمية: يتم حالياً تدوير حوالي 0.5 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي لسقي المساحات الخضراء، مع اعتماد "خطة هيدرولوجية" (2022-2027) تستثمر أكثر من 150 مليون يورو لتجديد الشبكات ومنع التسربات، لضمان عدم ضياع أي قطرة ماء في هذا المجال المحدود.

إن قصة الماء في سبتة هي قصة صراع مع الجغرافية؛ فبينما كان إنسان العصر الوسيط يطارد قطرات المطر في صهاريجه، أصبح إنسان العصر الحديث يستخلص مياهه من البحر عبر محطات التحلية، ليظل هذا المجال الـ (19 كلم مربع) صامداً مائياً رغم انفصاله عن محيطه الجغرافي المباشر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق